القاضي عبد الجبار الهمذاني

74

المغني في أبواب التوحيد والعدل

شبهة أخرى لهم قالوا : قد ثبت أنه لا بد من إمام يقوم بإقامة الحدود ، وتنفيذ الأحكام ، وقسمة الفيء وحفظ البيضة ، إلى غير ذلك ؛ وأن قيامه بذلك لا بد منه ، وإن لم نقل : إنه يحفظ الشرع . ومعلوم من هذه الأمور أنها لا تجوز أن توكل إلى من يجوز عليه فيه « 1 » الغلط ؛ لأنها من باب الدين ، فتجويز الغلط فيها كتجويز الغلط في سائر الشرائع ، وذلك لا يصح إلا بأن يكون معصوما يؤمن من سهو به « 2 » وغلطه . وليس بعض الأئمة بذلك أولى من بعض ؛ لأن العلة واحدة ، وفي ذلك إثبات إمام معصوم في كل زمان على ما نقوله . / قيل لهم « 3 » : إن هذه الحدود والأحكام إنما تجب إقامتها إذا كان إمام . فأما إذا لم يكن فلا يجب إقامة ذلك ، بل لا بد من سقوط الحدود كما تسقط بالشبهات ، ومن العدول في باب الأحكام إلى صلح وتراض وغير ذلك . فمن أين أنه لا بد من إمام مع إمكان ذلك ؟ فإن قالوا : نقول في ذلك كما تقولون . قيل لهم : إنا نقول إن إقامة الإمام واجب ، ولسنا نقول : إن كون إمام في كل زمان واجبا « 4 » لا بد منه . وطريقتنا في ذلك مخالفة لطريقتكم ، وإنما وجهنا الإلزام على علتكم ، ونحن مخالفون لكم فيها . ثم يقال لهم : خبرونا عن هذه الحدود والأحكام في هذا الزمان ، ما حالها ؟ فلسنا نجد إماما ظاهرا يقوم بذلك ، ويمكن الرجوع إليه . فإن قالوا : إنهما يسقطان ونرجع فيهما إلى ما ذكرنا ، قيل لهم : جوزوا مثله في سائر الأزمان ، فمن أين أنه لا بد من إمام ؟ ثم يقال لهم : إن وقوع الشيء على وجه يجوز أن يكون خطأ وفاسدا مما يتعلق

--> ( 1 ) لعلها ( فيها ) ( 2 ) لعلها ( سهوه ) ( 3 ) في الأصل ( يقال لهم . . ) . ( 4 ) في الأصل ( واجب ) .